فصل: الفصل الخامس: القول بوحدة الوجود

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة **


 الفصل الرابع‏:‏ القول بالحلول

لما كان طلب الجنة والفرار من النار ليس هدفًا عند المتصوفة بل كان هذا هو طلب العامة والدهماء في زعمهم فإن المتصوفة جعلوا لهم أهدافًا أخرى غير ذلك وهو أن يكون كل منهم إلهًا وربًا يعلم الغيب كله كما يعلمه الله سبحانه وتعالى ويتصرف في الكون كله كما يتصرف الله فيحيي، ويميت ويخفض ويرفع، ويعز ويذل‏.‏‏.‏

لقد أصبح الهدف الصوفي هو الوصول إلى مقام النبوة أولًا ثم الترقي حتى يصل الفرد منهم في زعمهم إلى مقام الألوهية والربوبية‏.‏

فهذا مثلًا أبو يزيد البسطامي وهو من أئمة القـوم ومقدميهم، توفي سنة 261هـ فهو من أعلام القرن الثالث في التصوف، وقد مر بك كلامه في شأن الرجل الذي استفتاه في أنه لا يجد في نفسه من علوم القوم شيئًا، فأفتاه بتلك الفتوى العجيبة‏.‏ يذكر عن نفسه ما يأتي‏:‏

‏"‏رفعني مرة فأقامني بين يديه، وقال لي‏:‏ يا أبا يزيد‏!‏ إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت‏:‏ زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا‏:‏ رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا‏"‏ ‏(‏اللمع ص461‏)‏‏.‏

وهذا الكلام لا يحتاج إلى تفسير وتأويل، والاعتذار عنه مشاركة لصاحبه في الباطل الذي يسعى إليه، ولنترك سيد الطائفة في وقته ‏(‏الجنيد‏)‏ يفسر كلام صاحبه أبي يزيد البسطامي يقول الجنيد في تفسير الكلام السابق‏:‏

‏"‏هذا كلام من لم يلبسه حقائق وحدة التفريد في كمال حق التوحيد، فيكون مستغنيًا بما ألبسه عن كون ما سأله‏.‏‏.‏ وسؤاله لذلك يدل على أنه مقارب لما هناك، وليس المقارب للمكان بكائن فيه على الإمكان والاستمكان‏.‏‏.‏ وقوله‏:‏ ألبسني وزيني، وارفعني يدل على حقيقة ما وجده مما هذا مقداره ومكانه، ولم ينل الحظوة إلا بقدر ما استبانه‏"‏ ا‏.‏هـ ‏(‏اللمع ص461‏)‏‏.‏

وبالطبع لن يستطيع أحد أن يفهم شرح الجنيد لكلام صاحبه أبي يزيد إلا من فهم عقيدة القوم، وعرف محتواها على الحقيقة‏.‏ وإليك شرح كلامه حتى كأنك تحسه وتراه إن شاء الله‏.‏

أقول‏:‏ حكم الجنيد على صاحبه أبي يزيد بأنه لم يصل بعد إلى كمال حقيقة التفريد ‏(‏ومعنى التفريد أن يعتقد الصوفي أنه ما تم في الحياة إلا فرد واحد، هو الله، تعددت وجوداته بحسب ما يظهر للناس، ولكن الحق واحد‏!‏‏!‏ ولذلك قال عن أبي يزيد‏:‏ ‏"‏هذا كلام من لم يُلبسْهُ ‏(‏أي الله تعالى‏)‏ حقائق وحدة التفريد‏"‏، أي لم ير غير الله غيرًا كما مر من كلام الحلاج‏.‏‏.‏ ولذلك قال عنه أيضًا بأنه لو رأى التفريد على الحقيقة لكان مستغنيًا بما ألبسه عن كون ما سأله، فقد سأل البسطامي ربه أن يلبسه أنانيته، ويرفعه إلى أحديته‏.‏‏.‏ ولو كان متحققًا من القول بوحدة الوجود لم يقل ذلك، ولم يطلبه، لأنه سيعلم يقينًا أنه هو الله‏.‏‏.‏ ولذلك رآه الجنيد بسؤاله هذا مقاربًا للحقيقة الصوفية النهائية، فقال‏:‏ ‏"‏وسؤاله لذلك يدل على أنه مقارب لما هناك‏.‏‏.‏‏"‏ ثم شرح هذا القول بقوله‏:‏

‏"‏وقوله ألبسني وزيني وارفعني‏:‏ يدل على حقيقة ما وجده مما هذا مقداره ومكانه، ولم ينل الحظوة إلا بقدر ما استبانه‏"‏ أي فهذا مكان أبي يزيد في فهم الحقيقة الصوفية، ولم يصل بعد إلى فهمنا على الحقيقة‏.‏

فانظر أيها الأخ المنصف أين كان الجنيد سيد الطائفة الصوفية من قضية التوحيد في الإسلام‏.‏‏.‏

ولم يكن حكم الجنيد على أبي يزيد البسطامي في قوله السابق منفردًا به، بل حكم بهذا الحكم صاحبها الشبلي الذي كان أوحد القوم حالًا كما قالوا‏.‏

وروى صاحب اللمع الحكاية الآتية ‏(‏ص741‏)‏‏:‏ ‏"‏حكي عن الشبلي ـ رحمه الله ـ‏.‏‏.‏ أنه سئل عن أبي يزيد البسطامي ـ رحمه الله ـ‏.‏ وعرض عليه ما حكي عنه مما ذكرناه وغير ذلك، فقال الشبلي ـ رحمه الله ـ‏:‏ لو كان أبو يزيد ـ رحمه الله ـ ها هنا لأسلم على يد بعض صبياننا‏.‏‏.‏، وقال‏:‏ لو أن أحدًا يفهم ما أقول لشددت الزنانير‏"‏‏.‏

فانظر كيف حكم الشبلي على أبي يزيد بأنه لا يصلح تلميذًا له، بل لو كان موجودًا معه الآن في وقته لأسلم على يد بعض صبيان الشبلي‏.‏‏.‏ وأنا أجزم الآن أنه يقصد بهذا الإسلام أن يعلمه أنه لا موجود إلا الله‏.‏‏.‏ ولذلك قال بعد ذلك‏:‏ ‏"‏لو أن أحدًا يفهم ما أقول لشدد الزنانير‏"‏ ومعنى شد الزنار أن يلبس لباس أهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس، لأنه كان يعتقد ـ بما لبس على الناس ـ أن أحدًا من معاصريه لا يفهم ما يشير إليه بهذه الأقوال‏.‏‏.‏ وهذا حق، لأن القوم ليسوا على الناس بما ادعوه من الصلاح والتقوى ومحبة الله ورسوله‏.‏ وقد مر بك أن هذا الشبلي كان سمينًا بدينًا، ومع ذلك كان يزعم أنه يحمي المرود ويكتحل به حتى لا ينام‏.‏

ومما يدلك على ما جزمت به سالفًا من تفسير قول الشبلي الآنف ما فسر به أيضًا الجنيد حال أبي يزيد البسطامي قائلًا‏:‏

‏"‏إن أبا يزيد ـ رحمه الله ـ‏.‏‏.‏ مع عظم حاله، وعلو إشارته لم يخرج من حال البداية، ولم أسمع منه كلمة تدل على كمال النهاية‏"‏ ‏(‏ص479‏)‏‏.‏

فانظر وتيقن الآن معتقد القوم الذين يشهدون على البسطامي بأنه لم يجاوز حال البداية، وهو الذي قال الأقوال السالفة‏.‏‏.‏ ولا غرو في ذلك ما دام الشبلي يقول عن نفسه لأبي عبدالله بن جابان بعد أن زاره، وأراد أن يخرج من عنده هو وبعض زملائه‏:‏ ‏"‏مروا أنا معكم حيثما كنتم، أنتم في رعايتي وفي كلاءتي‏"‏ ‏(‏ص478‏)‏‏.‏

فالذي وصل إلى هذه النهاية لا شك أنه يحكم على كلام البسطامي أن ما جاوز البداية‏.‏‏.‏

وقد يظن ظان أن الجنيد كان دون الشبلي في هذه الأقوال، وهذا من الجهل والغفلة، وعدم تتبع القضية الصوفية، والغوص على مغاليقها وأسرارها، والأمر على غير ذلك، فالجنيد كان أسبق أولئك القوم إلى العقيدة الصوفية، وأعلم الناس بها، ويدلك على هذا أن الشبلي يسأله يومًا، فيقول له‏:‏ يا أبا القاسم ما تقول فيمن كان الله حسبه قولًا وحقيقة‏؟‏ فقال الجنيد ـ رحمه الله ـ‏.‏‏.‏ يا أبا بكر ‏(‏وهي كنية الشبلي‏)‏ بينك وبين أكابر الناس في سؤالك هذا عشرة آلاف مقام، أوله محو ما بدأت به ‏(‏اللمع ص487‏)‏‏.‏

فانظر كيف سأل الجنيد عن حقيقة من حقائق الإسلام، وهي أن يكون الله حسب المرء في اعتقاده وقوله وكل شؤونه، أي أن يعتقد المسلم أن الله كافيه في كل ما يهمه ويشغله، وهذا من كمال التوحيد كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏36‏]‏، وقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما قيل له‏:‏ إن قريشًا عزمت أن ترجع لتستأصل شأفة المسلمين بعد هزيمة أحد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏حسبنا الله ونعم الوكيل‏)‏ أي الله كافينا ومنجينا سبحانه وتعالى‏.‏ انظر كيف حكم الجنيد على هذه الحقيقة الشرعية بأن سؤال الشبلي عنها يدل على أن بينه وبين أكابر الناس أي ‏(‏كبراء الصوفية‏)‏ عشرة آلاف مقام، أول هذه المقامات محو هذه الحقيقة الشرعية التي بدأ الشبلي بالسؤال عنها‏.‏‏.‏

 الفصل الخامس‏:‏ القول بوحدة الوجود

لما بدأ القول بالحلول، وجعل المتصوفة غايتهم من التصوف أن يتشبهوا بصفات الله في زعمهم فيكون أحدهم إلهًا يعلم كل شيء، ويتصرف في كل شيء فإن هذا الحال استمر بهم حتى وصلوا في النهاية إلى القول بوحدة الوجود، وأن كل شيء إنما هو الله وأن الله هو الذي في الكون وحده وليس هناك شيء آخر معه‏.‏

ومصطلح وحدة الوجود يعني في العقيدة الصوفية أنه ليس هناك موجود إلا الله فليس غيره في الكون، وما هذه الظواهر التي نراها إلا مظاهر لحقيقة واحدة، هي الحقيقة الإلهية ‏(‏تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا‏)‏، هذه الحقيقة التي تنوعت وجوداتها ومظاهرها في هذا الكون المشاهد، وليس هذا الكون ـ في هذه العقيدة الباطلةـ إلا الله في زعمهم، تعالى الله عن ذلك‏.‏

وقد رأينا كيف عبر الحلاج عن هذه العقيدة بكل صراحة ووضوح فيما نقلناه عنه آنفًا، وكيف عبر عنها الشبلي بشيء من التعمية واللف والدوران، وكيف جاءت في الكلام المنسوب إلى الجنيد في شيء من الحذر والحيطة‏.‏

ولقد استمرت هذه العقيدة معلومة عند أناس مخصوصين فقط بلغوا النهاية في الطريق الصوفي، ولكنهم لم يعبروا عنها إلا بتعبيرات ملفوفة غامضة، لا يفهمها إلا من سار سيرتهم، وذاق ذوقهم، وكشف غوامض كلامهم‏.‏

ولكن القرن السادس الهجري شهد في أواخره، وبداية القرن الذي يليه رجلًا عجيبًا استطاع أن يصوغ هذه العقيدة صياغة كاملة، ويضرب لها آلاف الأمثلة، ويبني عليها فروعها المختلفة في الاعتقاد والتصور، ويؤلف فيها عشرات الكتب، ذلك الرجل هو محيي الدين بن عربي المتوفي سنة 638هـ نشأ هذا الرجل في الأندلس، واستقر به المقام في الشام، ورمي بالكفر والزندقة والإلحاد والكذب، ولكن عقيدته ومذهبه وجدت المشيعين والمروجين الذين استطاعوا أن يرفعوه ـ كما رفع نفسه ـ إلى مرتبة الولاية، بل إلى ختم الولاية ومرتبة المشيخة الكبرى وإحياء الدين‏.‏

وبالرغم من أن ابن عربي هذا قد زعم أنه نقل علمه وكتبه عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مباشرة، وكتب عن اللوح المحفوظ بلا وساطة، وصاغ عقيدة وحدة الوجود بكل جرأة وبلا مواربة، بل بقليل من التدليس والمراوغة، واستطاع أن يحرف آيات القرآن فيزعم أن قوم هود الكافرين كانوا على الصراط المستقيم، وأن فرعون كان مؤمنًا كامل الإيمان، وأن قوم نوح كانوا مؤمنين، فجازاهم الله بأن أغرقهم في بحار الوحدة، وأدخلهم نار الحب الإلهي ليتنعموا فيها، وأن هارون أخطأ لأنه نهى بني إسرائيل عن عبادة العجل، وما كان العجل إلا المعبود الحق، أو صورة من صور المعبود الحق، وأن قوم نوح أصابوا في عدم تركهم ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا لأنها مظاهر للإله الواحد، وأن النار عذوبة لا عذاب، وأنه ما من إنسان إلا مرحوم مرضي عنه، وأن الله لا يعلم شيئًا قبل وجوده، لأن وجود الشيء هو وجود العلم، بل وجود كل شيء هو ترجمة لوجود الله ‏(‏تعالى الله عن ذلك‏)‏ أقول‏:‏ بالرغم من أن ابن عربي قال هذا الكلام كله، بل هذا جزء يسير جدًا مما قاله، فإنه أدعى بأن كل ذلك قد نقله بلا زيادة ولا نقصان عن الرسول الذي أمره بتبليغ ذلك للناس، وبالرغم أيضًا من كل ذلك فقد وجد هذا الرجل من المروجين والأتباع ما لا يقع تحت الحصر منذ ظهوره إلى زماننا هذا، ومن أمة الإسلام الذين يشهدون في كل يوم مرات كثيرة بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهذا من أعجب العجب‏.‏

وهاك الآن نقولًا صوفية من كتبه تدلك على هذه العقيدة‏.‏

1ـ قال في مطلع كتابه ‏"‏فصوص الحكم‏"‏ وهو الكتاب الذي جعله خاتمة لأعماله جامعًا لعقيدته‏:‏ ‏"‏أما بعد فإني رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مبشرة أريتها في العشر الآخر من المحرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق، وبيده ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتاب، فقال لي‏:‏ هذا ‏"‏كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت‏:‏ السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منا كما أمرنا‏"‏ ثم يقول‏:‏

فحققت الأمنية، وأخلصت النية، وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غير زيادة ولا نقصان‏"‏ ‏(‏الفصوص، ص47، طبع بيروت‏.‏ تحقيق‏:‏ أبو العلاء عفيفي‏)‏‏.‏

ويقول في مكان آخر بعد أن ذكر مواضيع الكتاب‏:‏ ‏"‏فاقتصرت على ما ذكرته من هذه الحكم في هذا الكتاب على حد ما ثبت في أم الكتاب، فامتثلت ما رسم لي، ووقفت عند ما حد لي، ولو رمت زيادة على ذلك ما استطعت فإن الحضرة تمنع من ذلك‏"‏ ‏(‏ص58‏)‏‏.‏

ويقول أيضًا في ‏"‏فص حكمة علوية في كلمة موسوية‏"‏‏:‏ ‏"‏وأنا إن شاء الله أسرد منها في هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر الإلهي في خاطري فكان هذا أول ما شوفهت به من هذا الباب‏"‏ ‏(‏ص58‏)‏‏.‏

وهذه النقول من مقدمة الكتاب ومن ثناياه تعلمك إصرار الرجل أنه ينقل عن الله مباشرة بل مشافهة، وعن اللوح المحفوظ رأسًا، وعن الرسول الذي أمره في تلك الرؤيا المزعومة أن يخرج على الناس بهذا الكتاب، فماذا في هذا الكتاب من العلم بالله ورسالاته والهدى والنور‏؟‏ لننظر‏.‏

2ـ يزعم ابن عربي أن قوم نوح أجابوا رسولهم إجابة حقيقية، وأن نوحًا مكر بهم فمكروا به، وأن تمسكهم بآلهتهم إنما هو تمسك بحق أراد نوح أن يزيلهم عنه، وهاك نص عباراته في ذلك‏:‏

‏"‏علم العلماء بالله ما أشار إليه نوح ـ عليه السلام ـ في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم، وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، والأمر قرآن لا فرقان، ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان وإن كان فيه‏.‏‏.‏، دعاهم ليغفر لهم، لا ليكشف لهم، وفهموا ذلك منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏ لذلك ‏{‏جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 7‏]‏‏.‏ وهذه كلها صورة الستر التي دعاهم إليها، فأجابوا دعوته بالفعل، لا بلبيك‏.‏

قال نوح في حكمته لقومه‏:‏ ‏{‏يرسل السماء عليكم مدرارًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 11‏]‏‏.‏ وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري، ‏{‏ويمددكم بأموال‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏11‏]‏‏.‏ أي بما يميل بكم إليه، فإذا مال بكم إليه رأيتم صورتكم فيه، فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرفه، ومن عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف‏"‏ ‏(‏ص71‏)‏‏.‏

فانظر كيف جعل المطر والخصب الذي هو نتيجة للصلاح والتقوى والإيمان والاستغفار والمعارف العقلية‏.‏‏.‏ وكيف جعل الأموال أي ما يميل بهم إليه فيرون صورتهم فيه، وهذه هي وحدة الوجود، ولذلك يقول بعدها‏:‏ ‏"‏فمن تخيل أنه رآه فما عرف وأما من رأى نفسه فهو العارف‏"‏‏.‏

ثم يقول‏:‏ ‏{‏ومكروا مكرًا كبارًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 22‏]‏‏.‏ لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو، أدعو إلى الله فهذا عين المكر، فأجابوه مكرًا كما دعاهم ‏(‏ص72‏)‏، فانظر كيف جعل الدعوة إلى الله مكرًا بالمدعوين، بل عين المكر ثم بين نوع المكر الذي قابل قوم نوح نوحًا، فيقول‏:‏ ‏"‏فقالوا في مكرهم‏:‏ لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن ودًا ولا سواعًا، ولا يغوث ويعوق ونسرًا، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء، فإن للحق في كل معبود وجهًا يعرفه من يعرفه، ويجهله من يجهله‏.‏‏.‏، فما عبد غير الله في كل معبود‏"‏ ‏(‏ص72‏)‏‏.‏

وبهذا يجعل ابن عربي تلك الآلهة الباطلة التي عبدها قوم نوح آلهة حقة، لأنها في زعمه وجه من وجوه الحق‏.‏

ثم يقول مكملًا تبديل آيات الله‏:‏ ‏{‏ولا تزد الظالمين‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 24، 28‏]‏‏.‏ لأنفسهم ‏(‏المصطفين‏)‏ الذين أورثوا الكتاب أول الثلاثة، فقدمه على المقتصد والسابق ‏{‏إلا ضلالًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 24‏]‏‏.‏ إلا حيرة‏"‏ ‏(‏ص73‏)‏‏.‏

وهنا يجعل ابن عربي قول الله في شأن قوم نوح‏:‏ ‏{‏ولا تزد الظالمين إلا ضلالًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 24‏]‏‏.‏ وهو الدعاء الذي دعا به نوح على قومه، يجعل ابن عربي هذا الظلم كالظلم الذي وصف الله به طائفة من الذين أورثهم الكتاب حيث قال‏:‏ ‏{‏ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات‏}‏ فيجعل هذا الظلم كذاك الظلم، وهذا غاية التلبس والثعلبية‏.‏

ثم يقول ابن عربي‏:‏ ‏{‏مما خطيئاتهم‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 25‏]‏‏.‏ فهي التي خطت بهم، فغرقوا في بحار العلم بالله‏.‏ ‏{‏فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 25‏]‏‏.‏ فكان الله عين أنصارهم، فهلكوا فيه إلى الأبد‏"‏ ‏(‏ص33‏)‏، ثم يحرف قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنك إن تذرهم يضلوا عبادك‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 27‏]‏‏.‏ قائلًا‏:‏ ‏"‏أي يحيروهم، فيخرجوهم من العبودية إلى ما هم فيه من أسرار الربوبية، فينظرون أنفسهم أربابًا بعدما كانوا عند أنفسهم عبيدًا، فهم العبيد الأرباب‏"‏ ‏(‏ص74‏)‏‏.‏

فيجعل ضلال قوم نوح إنما هو حيرة، لأنهم عرفوا أسرار الربوبية، وأن كل موجود هو الله، فأصبحوا بذلك أربابًا عند أنفسهم‏.‏‏.‏

ثم يحرف كلمات الآية الباقية فيجعل ‏{‏رب اغفر لي‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ وهو بقية كلام نوح أي استرني، ‏{‏ولوالدي‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ يعني العقل والطبيعة و ‏{‏لمن دخل بيتي‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ يعني قلبي، ‏{‏وللمؤمنين‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ أي العقول‏.‏ ‏{‏والمؤمنات‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ أي النفوس ‏{‏ولا تزد الظالمين‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ أي أهل الغيب، ‏{‏إلا تبارًا‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 28‏]‏‏.‏ أي هلاكًا، فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم وجه الحق دونهم، ثم يقول بعد ذلك‏:‏ ‏"‏ومن أراد أن يعرف أسرار نوح فعليه بالرقي في فلك نوح، وهو في ‏(‏التنزلات الموصلية‏)‏ لنا والله يقول الحق‏"‏ ا‏.‏هـ ‏(‏ص74‏)‏‏.‏

3ـ لم يكتف ابن عربي بتصحيح موقف قوم نوح الضالين المكذبين، بل عمد إلى جميع كفار الأرض فجعلهم مؤمنين موحدين عارفين واصلين، وعمل إلى المسلمين فجعلهم مؤمنين بجزء من الحق فقط كافرين بأجزاء أخرى، ولم ينس ابن عربي فرعون اللعين الذي لم تعرف الأرض قبله أكفر منه ولا أظلم، فجعله من المؤمنين الموحدين الفائزين بالجنة حيث يقول‏:‏

‏"‏ولما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت، وأنه الخليفة بالسيف، وإن جار في العرف الناموسي، لذلك قال‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 24‏]‏‏.‏ أي وإن كان الكل أربابًا بنسبة ما فأنا ربكم الأعلى منهم، بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم، ولما علمت السحرة صدقه في مقاله لم ينكروه، بل أقروا له بذلك، فقالوا‏:‏ ‏{‏إنما تقضي هذه الحياة الدنيا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏72‏]‏‏.‏ ‏{‏فاقض ما أنت قاض‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 72‏]‏‏.‏ فالدولة لك، فصح قوله‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 24‏]‏‏.‏ ‏(‏ص210،211‏)‏‏.‏

وهذا الكلام واضح ووازنه بكلام الحلاج الآنف في شأن فرعون، لتعلم وحدة العقيدة التي دعا إليها هؤلاء الأقوام‏.‏ بقي أن تعلم إشاراته الخبيثة في كلامه، نحو‏:‏ أن فرعون كان الخليفة بالسيف، ويعني بالخليفة قول الله لداود‏:‏ ‏{‏إنا جعلناك خليفة في الأرض‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 26‏]‏‏.‏ فيقيس الخلافة الشرعية النبوية على الملك المتسلط الفاجر، ثم شريعة موسى عُرفًا، أي ما يعرفه موسى، ولذلك اتهم بعض الصوفية الآخرين موسى ـ عليه السلام ـ بالجهل، وفرعون بالعلم والمعرفة، فقال‏:‏ كان فرعون أعلم بالله من موسى، لأنه عرف حقيقة الحق، وأما موسى فما عرف إلا وجهًا واحدًا، ولم يعرف أن الكل أرباب وأنهم مخلوقون في نفس الوقت، فالإنسان عندهم هو الحق والخلق، كما سيأتي بالنص إن شاء الله من كلام ابن عربي، ولذلك قال ابن عربي معللًا كلمة فرعون‏:‏ ‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 24‏]‏‏.‏ أن الكل أرباب بنسبة ما؛ وفرعون أعلى من هؤلاء الأرباب، لأنه الملك المطاع في ذلك الوقت‏.‏

وعلى هذا فقد حكم له بالإيمان والجنة زاعمًا أنه آمن عندما رأى انفلاق البحر لبني إسرائيل، فنجاه الله من العذاب الآخروي، وعمته النجاة حسًا ومعنى، وأنكر على من يقول‏:‏ إنه من المعذبين قائلًا‏:‏ ‏"‏ليس لديهم نص في هذا المعنى‏"‏، مع العلم أن الله يقول عنه‏:‏ ‏{‏ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود‏}‏ ‏[‏هود‏:‏96ـ99‏]‏‏.‏

وما غاب هذا النص عن ابن عربي، ولكنه التلبيس والثعلبية والمكر، ومخالفة سبيل المؤمنين من أولهم إلى آخرهم‏.‏

وعلى هذه العقيدة الباطلة أيضًا صحح ابن عربي موقف السامري، وصناعته للعجل الذي فتن به بنو إسرائيل، فعبدوه من دون الله، وخطّأ ابن عربي هارون عليه الصلاة والسلام، لأنه ما عرف الحق، وأنكر على بني إسرائيل، وزعم ابن عربي أن موسى عرف الحق وأنكر على السامري أن يحصر الإله في شيء واحد فقط، لأن عين كل شيء هي عين الإله، وهي عين الحق ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ‏.‏

يقول ابن عربي في ذلك‏:‏ ‏"‏ثم قال هارون لموسى ـ عليه السلام ـ‏:‏ ‏{‏إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 94‏]‏‏.‏ فتجعلني سببًا في تفريقهم، فإن عبادة العجل فرقت بينهم، فكان منهم من عبده اتباعًا للسامري وتقليدًا له، ومنهم من توقف عن عبادته حتى يرجع إليهم موسى فيسألونه عن ذلك، فخشي هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم إليه، فكان موسى أعلم بالأمر من هارون، لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه أن الله قضى ألا يعبد إلا إياه‏.‏‏.‏ وما حكم الله بشيء إلا وقع‏.‏‏.‏ فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتساعه، فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء‏"‏ ا‏.‏هـ ‏(‏الفصوص ص192‏)‏‏.‏

فانظر كيف زعم الخبيث أن موسى علم أن أصحاب العجل ما عبدوا إلا الله، لأن الله قال‏:‏ ‏{‏وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏23‏]‏، فجعل هذا القضاء قضاء كونيًا قدريًا، وأن الله ما حكم بشيء إلا وقع، ومعنى هذا عنده أن كل معبود في الأرض إنما هو الله، وما عبد الإنسان شيئًا حجرًا أو غيره إلا عبد الله، مستدلًا بالآية السالفة بمعنى حكم وأمر، وهذا الحكم والأمر حكم شرعي، فمن هداه الله ووفقه إليه امتثله‏.‏ ومن اتبع سبيل الغواية والشيطان انحرف ومال عنه، كبقية الأوامر الشرعية، نحو وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، ونحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏36‏]‏‏.‏ وقد خالف قضاء الله وأمره كثير من الكفار والملاحدة والجاحدين، وخالف بعض المؤمنين بعض ما قضى الله به ورسوله، وكثيرًا مما أمر به‏.‏

وها قد رأيت أن ابن عربي ختم عبارته بقوله‏:‏ ‏"‏فالعارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء‏"‏ وهذا منتهى العقيدة الصوفية، والفارق هو الاصطلاح الصوفي لمن تحقق من هذه العقيدة الخبيثة، ووصل النهاية في هذا العلم الخبيث ‏(‏والحق‏)‏ هو الله في زعمهم، تعالى الله عن ذلك وسبحانه، وهو حسبنا ونعم الوكيل‏.‏

ثم يتمم ابن عربي شرح عقيدته الباطلة، فيحرف معنى قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فما خطبك يا سامري‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 95‏]‏‏.‏ قائلًا‏:‏ ‏"‏يعني فما صنعت من عدو لك إلى صورة العجل على الاختصاص‏"‏ ا‏.‏هـ أي لماذا خصصت العجل فقط بكونه إلهًا، والحال في هذه العقيدة أن كل شيء هو الله، ولذلك حرق موسى العجل حتى لا يحصر الإله في شيء واحد ـ تعالى الله عن ذلك ـ ثم يستطرد الخبيث قائلًا‏:‏ ‏"‏وقال له‏:‏ ‏{‏وانظر إلى إلهك‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 97‏]‏‏.‏ فسماه إلهًا بطريق التنبيه للتعليم أنه بعض المجالي الإلهية‏"‏ ا‏.‏هـ‏.‏

فانظر كيف زعم أن قول موسى للسامري‏:‏ ‏{‏وانظر إلى إلهك‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 97‏]‏‏.‏ أن هذا اعتراف موسى بألوهية العجل، لأنه بعض الأشياء التي يتجلى فيها الرب ‏(‏سبحانك هذا بهتان عظيم، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا‏)‏‏.‏

ثم يفلسف ابن عربي عدم تسلط هارون على نسف العجل وإحراقه، وكون موسى هو الذي سلط على ذلك، زاعمًا أن هذا كان ليعبد الله في كل صورة، والعجل هو إحدى هذه الصور التي يجب عنده ـ لعنه الله ـ أن يعبد الله فيها، ويحرف في ذلك قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏رفيع الدرجات‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 15‏]‏‏.‏ فلله درجات يعبد فيها، وكل صنم وإله عبد في الأرض، فهو إحدى درجات الله في زعمه ـ تعالى الله عن ذلك ـ ثم يجعل عبادة الهوى أعظم هذه الدرجات وأسماها‏.‏ وهاك نص عبارته في ذلك‏:‏ ‏"‏فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل كما سلط موسى عليه حكمة من الله تعالى ظاهرة في الوجود، ليعبد في كل صورة وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك، فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية‏"‏ ثم يقول ‏"‏وما عبد شيء من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد، والظهور بالدرجة في قلبه، وكذلك تسمى الحق لنا برفيع الدرجات، ولم يقل‏.‏‏.‏ رفيع الدرجة، فكثر الدرجات في عين واحدة، فإنه قضى أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة، أعطت كل درجة مجلى إلهيًا عبد فيها، وأعظم مجلى عبد فيه وأعلاه ‏(‏الهوى‏)‏ كما قال‏:‏ ‏{‏أفرءيت من اتخذ إلهه هواه‏}‏ ‏[‏الجاثية‏:‏23‏]‏ وهو أعظم معبود، فإنه لا يعبد شيء إلا به‏.‏‏.‏ ولا يعبد هو إلا بذاته، وفيه أقول‏:‏

وحق الهوى إن الهوى سبب الهوى ولولا الهوى في القلب ما عبد الهوى‏"‏

‏(‏الفصوص ص194‏)‏

ثم يقول بعد ذلك‏:‏ ‏"‏والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد فيه، ولذلك سموه كلهم إلهًا مع اسمه الخاص بحجر أو شجر، أو حيوان أو إنسان، أو كوكب أو ملك‏"‏ ‏(‏الفصوص ص195‏)‏‏.‏

ثم جعل ابن عربي بعد ذلك كفار قريش الذين تمسكوا بآلهتهم الباطلة قائلين ‏{‏ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏3‏]‏‏.‏ غير منكرين لله، بل متعجبين لأنهم وقفوا مع كثرة الصور، ونسبوا الألوهية إليها، ثم يزعم أن الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد جاء داعيًا لهم إلى إله يعرف، ولا يشهد‏.‏‏.‏ ثم يصف ابن عربي هذا الإله قائلًا‏:‏ ‏"‏فدعا ‏(‏أي الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏)‏ إلى إله يصمد إليه ويعلم من حيث الجملة‏.‏‏.‏ ولا يشهد ولا تدركه الأبصار، للطفه وسريانه في أعيانه الأشياء، فلا تدركه الأبصار كما أنها لا تدرك أرواحها المدبرة أشباحها وصورها الظاهرة، وهو اللطيف الخبير، والخبرة ذوق، والذوق تجل، والتجلي في صور فلا بد منها، ولا بد منه، فلا بد أن يعبده من رآه بهواه إن فهمت‏.‏‏.‏‏"‏ ا‏.‏هـ ثم يقول مستهزئًا بعقول الجاهلين‏:‏ ‏{‏وعلى الله قصد السبيل‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 9‏]‏‏.‏